محمد الريشهري

57

موسوعة الإمام علي بن أبي طالب ( ع ) في الكتاب والسنة والتاريخ

والآخرة . وليكن أحبّ الأُمور إليك أوسطها في الحقّ ، وأعمّها في العدل ، وأجمعها للرعيّة ؛ فإن سخط العامّة يُجحف برضى الخاصّة ، وإنّ سخط الخاصّة يُغتفر مع رضى العامّة . وليس أحد من الرعيّة أثقل على الوالي مؤونة في الرخاء ، وأقلّ له معونة في البلاء ، وأكره للإنصاف ، وأسأل بالإلحاف ( 1 ) ، وأقلّ شكراً عند الإعطاء ، وأبطأ عذراً عند المنع ، وأضعف صبراً عند ملمّات الأُمور ، من الخاصّة ، وإنّما عمود الدين وجماع المسلمين والعدة للأعداء أهل العامّة من الأُمّة ، فليكن لهم صَغوك ، واعمد لأعمّ الأُمور منفعة وخيرها عاقبة ، ولا قوّة إلاّ بالله . وليكن أبعد رعيتك منك وأشنأهم عندك أطلبهم لعيوب الناس ؛ فإنّ في الناس عيوباً الوالي أحقّ مَن سترها ، فلا تكشفنّ ما غاب عنك ، واستر العورة ما استطعت ؛ يستر الله منك ما تحبّ ستره من رعيّتك . وأطلق عن الناس عقد كلّ حقد ، واقطع عنك سبب كلّ وتر ، " واقبل العذر . وادرأ الحدود بالشبهات " . وتغابَ عن كلّ ما لا يَضِحُ ( 2 ) لك ، ولا تعجلنّ إلى تصديق ساع ؛ فإنّ الساعي غاشّ وإن تشبّه بالناصحين . لا تُدخلنّ في مشورتك بخيلاً يخذلك عن الفضل ، ويَعدكَ الفقرَ ، ولا جباناً يُضعف عليك الأُمور ، ولا حريصاً يُزيّن لك الشَّرَه بالجور ؛ فإن البخل والجور ( 3 )

--> ( 1 ) الإلحاف : شدّة الإلحاح في المسألة ( لسان العرب : 9 / 314 ) . ( 2 ) وَضَح الشيء يَضِحُ : بان ( لسان العرب : 2 / 634 ) . ( 3 ) كذا في المصدر ، وفي نهج البلاغة : " فإنّ البخل والجبن " وهو الأنسب .